كل شيء في هذه الدنيا مسكون بقوة الاختلاف بين البشر، فالحياة بكل تجلياتها وصيرورتها، في الطبيعة ومناشط الحياة، تقوم على التدافع والتنوع. الأمطار تروي الأرض وتنبت الزرع وتملأ البطون الجائعة، لكنْ للسحاب قنوط وبخل، فتغيب الأمطار ويحل الجفاف، فتجدب الأرض وتقل المحاصيل أو حتى تغيب، ويسطو الجوع على البطون. منذ القدم كانت القبائل البدائية تتحارب على الأراضي الخصبة وينابيع المياه. وبعدما تسيل الدماء، ويتكدس الموتى يجنح المتقاتلون إلى السلم، فإذا كان الدافع للقتال هو الحصول على أسباب الحياة، فمن الجنون أن يتحول ذلك إلى وسيلة للموت. تلك هي طبيعة حياة البشر، حركة بين العنف والقتال والسلام. قال الله تعالى: «ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهمْ ببعض لفسدت الأرضُ، ولكن اللهَ ذُو فضل على العالمين» (البقرة 251). فالتدافع البشري سلماً وصراعاً هو وقود حركة حياة البشر، في كل المجالات وفي كل الأزمان. الفيلسوف توماس هوبز الذي عاش زمن الحرب البريطانية بين الملك ومجلس النواب وما رافقها من أحداث عنيفة. كانت تلك الأحداث ينبوع الأسئلة التي صنعت فلسفته. في كتابه «اللفياثان» الذي قدم فيه رؤيته الشاملة للنظام السياسي للدولة، توسّع في تحليل الطبيعة البشرية، بكل ما يسكنها من دوافع أنانية، تحرك الناس إلى العنف من أجل تحقيق مصالحهم الذاتية، وخلص إلى أن وجود دولة قوية مسيطرة على الجميع هو الضمان للأمن والاستقرار في المجتمع، ومال إلى جانب الملك، إذ رأى أن تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في كل المجتمع، تحت حكم الملك يسبق خيار الديمقراطية، بل وحتى الحرية نفسها. اتفق كثير من الفلاسفة والمفكرين، الذين أتوا من بعده مع ما ذهب إليه في فلسفته، واختلف معه كثيرون، ولا تزال أفكاره محل نقاش واختلاف واتفاق معه.
تحاربت الإمبراطوريات، وغزت شعوُبٌ شعوباً أخرى، واحتلت أراضيها واستولت على مقدراتها، بعد حروب طويلة أو قصيرة. لكن الجنوح إلى السلام، والاتفاق على تسويات وتنازلات كثيراً ما تكون الخيار الذي يطفئ نيران الحروب. اتفاقات عديدة شهدها العالم قديماً وحديثاً، بعد حروب وصراعات دموية طويلة، صمد بعضها ونجح، في حين فشلت أخرى وانتكست، وفي الحالتين كان لها تأثير في إعادة تشكيل العالم. من أهمها اتفاقية وستفاليا عام 1648 التي أنهت حرب الثلاثين عاماً في أوروبا، وحرب الثمانين عاماً بين إسبانيا وهولندا. ووصفت هذه الاتفاقية بأنها المؤسس للدولة القومية الحديثة، لكنها لم تمنع نشوب حروب أوروبية بعدها. مؤتمر فيينا عام 1815 بعد هزيمة نابليون بونابرت، وشاركت فيه النمسا وبريطانيا وروسيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، وكان من أهم قراراته إعادة رسم خريطة أوروبا لتحقيق توازن القوى بالقارة، وإعادة أسرة آل بوربون إلى عرش فرنسا، وتوسيع أراضي روسيا وبروسيا والنمسا، وتوحيد الأراضي الألمانية وتوحيد بلجيكا وهولندا في مملكة واحدة. لكن أغلب قرارات ذلك المؤتمر لم تتحقق، بل حركت ثورات أوروبية عام 1848 وكان لها آثار كبيرة في القارة، واتفاق فرساي بعد الحرب العالمية الأولى، الذي قاد إلى حرب عالمية ثانية رهيبة، لم تعرفها الدنيا من قبل ومن بعد. واتفاقية الوحدة التي صفق لها العرب وغنوا، بين مصر وسوريا عام 1958، التي هوت بعد ثلاث سنوات. اتفاقية الهدنة الكورية أوقفت القتال، لكنها لم تنهِ الحرب بمعاهدة سلام، ولا تزال الدولتان من الناحية الرسمية في حالة حرب. اتفاقية باريس التي هدفت إلى إنهاء الحرب في فيتنام، وانسحاب القوات الأميركية، لكن القتال استمر على الأرض، حتى توحيد جزأي فيتنام عام 1975. اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، أنهت الحرب بين مصر وإسرائيل، لكنها لم تنهِ الحروب بين إسرائيل ودول عربية أخرى. وكذلك اتفاق الطائف بين الأطراف اللبنانية، لكن السلام الشامل والدائم، بين الأطراف الموقعة عليه، لم يكرس قوة الدولة اللبنانية، وفرض سيادتها على كامل أرض الدولة. نستطيع أن نضيف إلى هذه الاتفاقيات والاتفاقات المتهافتة ما حدث ويحدث في السودان شمالاً وجنوباً، وفي اليمن شماله وجنوبه، واتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، الذي هلل له العالم، وفرح بها الفلسطينيون واعتقدوا أن العودة إلى أرضهم صارت مسألة وقت، وإذا بالعرَّاب الإسرائيلي الأول للاتفاق إسحق رابين يقُتل بيد متطرف صهيوني، أما القائد الفلسطيني ياسر عرفات، الذي عمَّد الاتفاق، فقد رحل في محنة مرض غامض، ولم يقل العارفون إنه ليس بفعل فاعل.
الحديث عن مشاريع الاتفاقات والاتفاقيات، بين دول وأطراف تتحارب الآن، تدفعنا إلى قراءة القائمة الطويلة، لاتفاقات وقعتها دول وأطراف عاشت سنوات من الصراع والحروب، لكن السلام كان أصعب من أن تحققه حروف على ورق، وتوقيعات سياسيين تذيلها، وفي حالات كثيرة، كانت كمن يحاول أن يطفئ النار بالبنزين.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





