في التاريخ درسٌ لا يمحى عن ملكة فرنسية قيل لها إن الشعب لا يجد الخبز، فأجابت ببراءة الطبقة المترفة: فليأكلوا الكيك.
لم تكن ماري أنطوانيت شريرة بقدر ما كانت غارقة في قصورها، لا تدرك أن الفارق بين الكيك والخبز هو فارق الحياة والموت بالنسبة للفقراء. واليوم وبعد قرون نعيش ذات المشهد لكن بصيغة جديدة، بدلا من الكيك مولدات الكهرباء.
ففي مدننا العربية التي تخونها شبكات الكهرباء الوطنية، وتحول الصيف فيها إلى جحيم، يتحول المولد الخاص إلى شريان حياة لا غنى عنه، لكن مع ارتفاع أسعار الوقود وفساد المسؤولين، تحولت فواتير المولدات إلى كابوس يضرب ميزانية الأسر الفقيرة. بعضهم يدفع أكثر من راتبه الشهري لقاء ساعات قليلة من النور الباهت.
وهنا، يأتي دور ماري أنطوانيت العصرية، فبينما يتذمر المواطن من عداد المولد الذي يلف كالمروحة، نجد المسؤول أو رجل الأعمال يعلق ببرود ساخر ، لماذا لا يشترون مولداً خاصاً لهم؟.
نعم ذات السؤال الأبلَه، ذات النظرة القاصرة وكأن شراء مولد بقوة معينة، مع تركيب ألواح، وتأمين ديزل يومي، وصيانة شهرية، هو كشراء رغيف خبز من المخبز ! وكأن من يكافح لتوفير ثمن وجبة لعياله قادر على اقتطاع آلاف الدينارات لتركيب محطة طاقة خاصة في شقته الصغيرة!
هذه المقولة ليست مجرد زلة لسان، إنها مرآة تعكس انفصالاً عميقاً عن الواقع. فعندما يقول النخبة اشتروا مولداً فإنهم يقرّون ضمنياً بأن أزمة الكهرباء أصبحت حلّها فردياً وأن الدولة التي يفترض
أن تكون حامية للمواطن قد تخلت عن دورها، وأصبحت مسؤولية الإنارة على عاتق الجوعى والناس البسطاء.
لقد ظل شعبنا صبوراً، لكن صبره ليس أبدياً، فالملكة الفرنسية دفعت ثمن كلماتها غير المسؤولة حتى وإن لم تكن قالتها حرفياً، لكن التاريخ نسبها إليها. أما من يكررون اليوم سؤالها البليد عن المولدات فعليهم أن يتذكروا أن الشعوب لا تنسى من قال عنها فليشتروا مولداً حين كانت تغرق في بحر من العجز والفساد.
الحل ليس في شراء المولدات، بل في إصلاح العقول التي تطرح هذا السؤال أولاً وثانيا تحكيم مسؤولين حكماء ونظيفين يحسون بوجع المواطن صاحب الوطن والثروة بدلا من مسؤولين مزورين وفاسدين.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





