قراءة حول ترتيب ليبيا في مؤشر مدركات الفساد لعام 2017م

بقلم:

الفساد ظاهرة عالمية عابرة للحدود تمكنت واستوطنت وأصبحت اسلوب حياة في الكثير من المجتمعات وتحتاج هذه الظاهرة كإشكالية عالمية ودولية إلى أن يتم تحليلها وإحصائها كعمل أولي لإيجاد الحلول المناسبة لها بعد تشخيص مكمن الداء للبحث عن علاج ناجع ونافع، وقد صدر منذ يومين التقرير الخاص بمؤشرات مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية للعام 2017م متزامنا مع الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، وجاءت دولة ليبيا في الترتيب الواحد والسبعون بعد المائة متحصلة على (17) نقطة فقط من المائة ، متحصلة على ثلاث نقاط مقارنة بالعام 2016 م حيث تحصلت على (14) نقطة فقط من المائة في العام الماضي وكانت في الترتيب السبعين بعد المائة ، ولم تتحصل أي دولة عربية على أكثر من (50) نقطة باستثناء دولتي الإمارات وقطر فقط ، فالدول الجارة كتونس ومصر والجزائر والسودان وتشاد تحصلت على ( 42 ، 32 ،33 ،16 ، 20 ) على التوالي .

ويلخص الجدول التالي ترتيب دولة ليبيا في مؤشر مدركات الفساد في السنوات الماضية :

ترتيب دولة ليبيا في  مؤشر   مدركات الفساد في السنوات الماضية
السنة الترتيب الدرجة ملاحظات
2016 170 14 من 100
2015 161 16
2014 166 18
2013 172 15
2012 160 21
2010 154 2.2 من 10
2007 131 2.5
2005 117 2.5
2003 118 2.1
1999 – 2002 لم يتم إدراج دولة ليبيا ضمن المؤشر

ولكن ما المقصود بمؤشر مدركات الفساد ؟ ومن يشرف على إعداده ؟ وما هي المعايير المعتمدة في احتساب مؤشرات الفساد الخاصة بتقييم الواحد والثمانون دولة بعد المائة ؟ وما سبب اهتمام الدول وسعيها الدؤوب لتحسين ترتيبها في هذا المؤشر ؟
أولا: مؤشر مدركات الفساد : سمي هذا المؤشر بمؤشر مدركات الفساد وليس بمؤشر الفساد لكون الفساد في أي دولة من الدول يعمل في الخفاء ويحرص الفاسدون على أن يتم فسادهم بالتخفي ، ولكن يمكن إدراك آثار هذا الفساد بشكل واضح على أوضاع كثيرة في أي دولة من الدول، و يصدر هذا المؤشر عن منظمة الشفافية الدولية ( ) كل عام ، والتي يصدر عنها عدد من البحوث العالمية الخاصة بمنظمة الشفافية الدولية منها : مؤشر دافعي الرشوة Bribe Payers Index ( ويرمز له اختصاراً ( BPI وصدر لأول مرة في العام 1999 وهو مؤشر غير سنوي، وكذلك التقرير العالمي الشامل عن الفسادGCR Global Corruption Report، ويركز في كل عام على دراسة الفساد في قطاع حيوي من قطاعات العمل بالدولة، ومقياس الفساد العالميGCB، تقييم النزاهة الوطني NIS، الشفافية في تقارير الشركات TRAC .
ويعد من أهمها مؤشر مدركات الفساد Corruption Perceptions Indexالذي يرمز له اختصاراًCPI، والذي صدر لأول مرة في العام 1995 م وهو مؤشر سنويً يقيّم الدول ويرتبها وفقاً لدرجة وجود الفساد بين المسؤولين والسياسيين فيها بناءً على إدراك رجال الأعمال والمحللين والسياسيين ومنهم المتخصصون والخبراء من الدولة نفسها التي يتم تقييمها من المقيمين فيها او من غير المقيمين, ويُعَدُّ مؤشرا مركباً ويسمى بمسح المسوح حيث يعتمد على البيانات التي يتم جمعها عن طريق مسوح واستطلاعات رأي متخصصة تقوم بها مؤسسات مختلفة ومستقلة و يركز المؤشر بشكل أساسي على الفساد في القطاع العام ( الرشوة والاختلاس والوساطة والمحسوبية وغسيل الأموال والكسب غير مشروع وغيرها ) . وفي العام 2003 غطى المسح 133 دولة ، وفي 2017 من 181 بلد ، كان بداية من 10 درجات الدرجة الأعلى -10- تعني الاقل فساداً وفي المقدمة دائما (فنلندا، وأيسلندا، ونيوزلندا بدرجة تتراوح بين 9,5 – 9,7 ) ، والاقل-1- للاكثر فساداً في نظام من عشر نقاط ، وأصبح المقياس مؤخرا من 100 درجة ، وتوصل المؤشر هذه السنة الى ان اكثر من ثلثي البلدان قد حصلت على درجة تقل عن 50 نقطة، حيث ان معدل الدرجات بلغ 43 نقطة. ، وتحصلت سوريا وجنوب السودان والصومال على ادنى الدرجات وهي 14 و12 و9 تباعا. وعلى مستوى المناطق، اُسند افضل معدل لمنطقة اوروبا الغربية، حيث بلغ معدل درجاتها 66 نقطة. اما عن المناطق التي حصلت على اسوا الدرجات فهي كل من افريقيا جنوب الصحراء (معدل الدرجات:32 نقطة) واوروبا الشرقية واسيا الوسطى (معدل الدرجات: 34 نقطة)
ثانيا: القائمين على إعداد مؤشر مدركات الفساد :
وفقا لبعض المصادر أن الخبير جوان جراف من جامعة باساو هو من تم تفويضه لإعداد مؤشر قياس الفساد . وفي عام 2005 اعتمد المؤشر على 16 استفتاء ومسوحات من 10 مؤسسات مستقلة، المؤسسات التي زودت المؤشر بالمعلومات عام 2005 هي: ( جامعة كولومبيا ، وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجموعة الـ ايكونمست، بيت الحرية ، المعلومات الدولية، المعهد الدولي للتنمية الإدارية ، لجنة المم المتحدة الاقتصادية لافريقية ، المنتدى الاقتصادي العالمي، مجموعة مرشانت الدولية ، استشارية المخاطر السياسة والاقتصادية. ، مركز بحوث السوق الدولية. ) ، وكانت المؤشرات السابقة كانت تستخدم مسوحات للاراء العامة، ولكن مؤخرا أصبحت المنظمة تستخدم الخبراء فقط. والمؤشر يقوم بأخذ ثلاثة مصادر متوفرة على الاقل من اجل تقييم البلد في المؤشر ) .
ثالثا: المنهجية العامة لاحتساب مؤشرات الفساد : وتتخلص المنهجية على أمرين أساسين:
الأمر الأول: طريقة حساب مؤشر مدركات الفساد: ففي العام 2012م تم تغيير الأسلوب المتبع في حساب مؤشر مدركات الفساد وقد جرى تطوير هذه المنهجية التي جرت المصادقة عليها من خلال تقييم إحصائي مستقل. ان المنهجية الجديدة توفر قدراً أكبر من الوضوح والدقة وحيث يمكن من خلال هذه الطريقة مقارنة درجات الدولة مع مرور الوقت ، منهجية حساب المؤشر في عام2012 والسنوات القادمة تكون بترجمة البيانات على مقياس بتدرج من 100 – 0 حيث تعادل الدرجة 0 أعلى مستوى من مستويات الفساد المدرك اي )تصور القطاع العام للدولة باعتباره فاسد للغاية( في حين تعادل الدرجة 100 أدنى مستوى من مستويات الفساد المدرك اي تصور القطاع العام للدولة باعتباره نضيف تماماً(ويتم إجراء ذلك عن طريق طرح الوسط الحسابي لمجموعة البيانات وقسمة الناتج على الانحراف المعياري لينتج عنها نقاط معيارية (standard point ) والتي يجري العمل على تعديلها لاحقاً للحصول على وسط حسابي )يتم تحديده لاحقاً ( وعلى انحراف معياري )يتم تحديده لاحقاً( حيث تلاءم مجموعة البيانات مقياس مؤشر مدركات الفساد بتدريج 100 – 0 ثم يتم حساب معدل )الوسط الحسابي( لجميع النقاط التي تمت معايرتها لتلك الدولة وثم يتم تقريب مجموع النقاط إلى أعداد صحيحة وتجدر الإشارة إلى ان درجة الدولة مؤشر أهم كثيراً في الدلالة على مستوى الفساد المدرك فيها أما ترتيب الدولة فقد يتغير لمجرد دخول دول جديدة أو خروج دول أخرى من التصنيف، كما قد تشترك بعض الدول بالمرتبة نفسها وهذا يعود إلى تساوي الدول في الدرجة ( ) .
الأمر الثاني : مصادر مؤشر مدركات الفساد:
يعتمد مؤشر مدركات الفساد على مصادر كثيرة ، ويضم المؤشر إحصائيات من عدد من المصادر مأخوذة من عدد من المؤسسات المستقلة، ويختلف عدد المصادر من دولة لأخرى حيث تكون كثيرة لبعض الدول وقليلة لدول أخرى وتحسب جميع المصادر مجمل إدراك حجم الفساد )من خلال مدة التكرار وحجم الرشاوى( في القطاعين العام والسياسي و لا تميز المصادر بين الفساد الإداري والفساد السياسي الذي يركز بشكل أساسي على تمويل الأحزاب واستغلال المناصب العامة لأغراض حزبية وكافة المصادر تعطي تصنيفا للدول )يضم تقييماً لعدة دول( .
وتشمل المصادر التي بموجبها تقّيم الدول عن طريق النقاط :
1- احدث الاستطلاعات المعدة من قبل الجهات مختصة )تحليل للبلاد، وكالات المخاطر ( وأهمها الاستطلاعات التي يتم إجرائها من قبل الخبراء من الداخل محليين أوالخارج ومديري الإدارة العليا والمتوسطة والشركات المحلية والعالميةو رجال الأعمال المغتربين و شبكة مراسلين و تقييم الموظفين ( .
2- خصصت بعض التقارير لتقييم الفساد قطاع محدد من قطاعات الدولة العامة ، ففي بدايةً في عام 2001 ركز التقرير على دراسة الوضع الكائن للفساد في العالم بصفة عامة، وفي عام 2003 ركز علي الفساد في وسائل الحصول على المعلومات والتعامل معها Access To Information، ثم تناول التقرير في عام 2004 الفساد السياسي Political Corruption، وفي عام 2005 تناول كافة جوانب الفساد في قطاع الإنشاءات والمقاولات وإعادة البناء والإعمارCorruption in Construction and Post-Conflict Reconstruction .
3- في هذا العام تم التركيز على مستويات حماية الصحافة والمنظمات غير الحكومية ( مؤسسات المجتمع المدني ) ، حيث أشارت المنظمة في تقديم تقريرها على أنه في ” كل أسبوع، يلقى صحفي مصرعه في إحدى البلدان الا كثر فسادا ” ، واعتبر تقرير لجنة حماية الصحفيين ( ) من أهم المصادر ، وكذلك تقرير الصادر المشروع العالمي للعدالة ( ) والي يركز على نقاط هامة منها : ( سيادة القانون ، العدالة الجنائية، مدى انفتاح الحكومة وتوفر المعلومات ، والأمن والنظام ، الإنفاذ التنظيمي ، العدالة المدنية ، الحقوق الأساسية … إلخ ) مع ملاحظة عدم توفر معلومات لدولة ليبيا ضمن هذا التقرير .

ويقيّم حجم الفساد في الدولة من قبل مجموعتين المجموعة الأولى تتمثل في خبراء مقيمين في البلاد أو خارج البلاد، اما المجموعة الثانية فتتمثل بقياديين في القطاع الخاص .
ويشمل مؤشر مدركات الفساد لكل سنة مصادر متشابهة مع تغير بشكل طفيف وحسب وثوق المنظمة بالمصدر ولابد لكل مصدر من مصادر البيانات استيفاء المعايير وأهمها أن يركز على القطاع العام، و أن يكون قائماً على منهجية تمتاز بالصدق والثبات ،و أن يتم تنفيذ ذلك من قبل مؤسسة ذات مصداقية وأن يكون من المتوقع تكرار ذلك على نحو منتظم ،و أن يسمح بوجود ما يكفي من التفاوت في مجموع النقاط التي يتم إحرازها بما يتيح عملية التمييز بين الدول ) .
رابعا: سبب اهتمام الدول وسعيها الدؤوب لتحسين ترتيبها في هذا المؤشر :
نظرا لأهمية هذه المؤشرات لما لها من آثار على سمعة الدول وعلى ما تجلبه من منفعة أو سوء لكل دولة من خلال جعله بيئة جاذبة او طاردة للاستثمار وفقاً للقاعدة الاقتصادية المعروفة ( رأس المال جبان ) ولأسباب عديدة أخرى فقد أصبح لزاماً على دولة كليبيا تتتصدر قائمة الدول الأكثر فسادا ، عليها أن تتكاثف كافة المؤسسات بها لتحسين ترتيبها في مؤشر مدركات الفساد العالمي، مع ضرورة وضع استراتيجية واضحة المعالم لكامل الدولة الليبية لمكافحة الفساد ومنعه قبل وقوعه من قبل السلطات العامة فيها ، مع ضرورة فاعلية السلطة التشريعية بتفعيلها المؤسسات الرقابية المعنية بمكافحة الفساد تفعيلا جيدا ودعمها لأداء مهمتها المنوطة بها ، وسن تشريعات هامة التي تتطلبها الدولة لتكون متوائمة مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وأهمها قوانين تنظم الأحزاب ومصادر تمويلها وحماية الشهود والمبلغين، وكذلك دعم المؤسسات المعنية للقيام بالدراسات والأبحاث ذات العلاقة ولتكون أكثر فاعلية في إنفاذ القانون ، ضرورة دعم السلطة القضائية لتكون فاعلة في إحقاق العدالتين المدنية والجنائية تكاثف كافة السلطات العامة في الدولة لحماية الحقوق الأساسية .

د. مجدي الشبعاني‎

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 23.

تعليقات حول الموضوع

تعليقات 3
  1. 1- بواسطة: عبدالحق عبدالجبار 2018/02/24

    أزمة قلبية تقضي علي شخص …. وازمة قبلية و جهوية تقضي علي وطن … و أزمة ربيعية تقضي علي اوطان وشعوب

  2. 2- بواسطة: محمد جمعة رمضان عبدو 2018/02/24

    مشكور دكتور على هذا السرد الوافي والمعلومات..بالتوفيق ان شاء الله.

  3. 3- بواسطة: صلاح الدرناوى 2018/02/25

    مشكور دكتور على مجهودك الرائع والذي اضن انه سيوضح للكثير اللغط الحأصل فى هذا الخصوص والسؤال هنا هل هذا التقرير وغيرها من التقارير التى صدرت من منظمة الشفافية الدولية كان لها اعتماد ولو جزئي على مصادر محلية لبعض الدول على سبيل المثال ليبيا وخصوصا التى لا اضن ذلك وهل الفساد مقتصر على حرية الإعلام والصحافة والكثير من الأمور يجب الرد عليها من قبل الدول التى موجودة فى التصنيف

تعليقات 3