قد يبدو شرب كوب من عصير البرتقال كل صباح عادةً غذائيّة بسيطة، لكن تأثيرها في الجسم أكثر تعقيدًا مما توحي به صورته المرتبطة بوجبة الإفطار، فالعصير يجمع بين الماء والسكريات الطبيعيّة وفيتامين «سي» ومركّبات نباتيّة، أبرزها الفلافونويدات، وفي مقدمتها «الهسبيريدين»، ما دفع الباحثين إلى دراسة علاقته بصحّة القلب والتمثيل الغذيّ والالتهاب والوزن.
ولا ترسم الأبحاث العلميّة صورةً أحاديّة الاتجاه، فبعض المراجعات المنهجيّة والتحليلات التلويّة رصدت تحسّنًا في مؤشرات صحيّة معيّنة، بينما لم تجد دراسات أخرى تأثيرًا واضحًا في مؤشرات مختلفة، ولذلك فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كان عصير البرتقال «صحيًّا» أو «ضارًّا» بصورة مطلقة، وإنما ماذا تقول التجارب البشريّة فعلًا عن تناوله بانتظام.
يُعدّ فيتامين «سي» من أبرز العناصر الغذائيّة التي يحصل عليها الجسم من عصير البرتقال، ووفقًا لمكتب المكملات الغذائيّة التابع للمعاهد الوطنيّة الأمريكيّة للصحة، يحتوي ثلاثة أرباع كوب، أي نحو 177 ملليلترًا، من عصير البرتقال على قرابة 93 ملليغرامًا من فيتامين «سي»، بينما تحتوي برتقالة متوسطة الحجم على نحو 70 ملليغرامًا، ويحتاج الجسم هذا الفيتامين لتكوين الكولاجين، والمساعدة في التئام الجروح، وتحسين امتصاص الحديد من المصادر النباتيّة، إضافةً إلى دوره المضاد للأكسدة.
لكن القيمة الغذائيّة للعصير لا تتوقف عند فيتامين «سي»، فعصير البرتقال 100% يحتوي طبيعيًّا على مركّبات نباتيّة من مجموعة الفلافونويدات، بينها «الهسبيريدين»، وهو مركّب حظي باهتمام علمي بسبب علاقته المحتملة بمؤشرات صحّة القلب والأوعية الدمويّة والالتهاب والتمثيل الغذائي.
وفي مراجعة منهجيّة وتحليل تلوي نُشرا في مجلة «Phytotherapy Research» عام 2021، جمع الباحثون نتائج 15 تجربة سريريّة عشوائيّة شملت 639 مشاركًا لدراسة تأثير استهلاك عصير البرتقال في عوامل الخطر القلبيّة والاستقلابيّة، وأظهر التحليل انخفاضًا في مستوى الكوليسترول الكلي بنحو 6.84 ملليغرام لكل ديسيلتر، إلى جانب تحسّن في مؤشر مقاومة الإنسولين HOMA-IR، لكن الباحثين وصفوا جودة الدليل بأنها منخفضة إلى متوسطة، ما يعني أن النتائج تحتاج إلى مزيد من التأكيد من خلال تجارب أكثر قوّة.
وتظهر نتيجة مشابهة في تحليل تلوي آخر نُشر في مجلة «Critical Reviews in Food Science and Nutrition»، إذ جمع الباحثون نتائج 10 تجارب سريريّة عشوائيّة، ووجدوا أن تناول عصير البرتقال ارتبط بانخفاض الغلوكوز والإنسولين ومؤشر مقاومة الإنسولين HOMA-IR، إلى جانب انخفاض الكوليسترول الكلي وكوليسترول LDL والبروتين المتفاعل «سي» CRP، وهو أحد المؤشرات المستخدمة لتقييم الالتهاب في الجسم.
ووفقًا لذلك التحليل، بلغ متوسط الانخفاض في الغلوكوز نحو 2.92 ملليغرام لكل ديسيلتر، وفي الإنسولين نحو 1.229 ميكرووحدة لكل ملليلتر، بينما بلغ الانخفاض في LDL نحو 9.14 ملليغرام لكل ديسيلتر، وانخفض CRP بنحو 0.467 ملليغرام لكل لتر مقارنةً بالمجموعات الضابطة، لكن هذه النتائج لا تعني أن عصير البرتقال علاج للكوليسترول أو السكري، إذ إن الدراسات تقيس تغيّرات في مؤشرات حيويّة، ولا تثبت بمفردها أن شرب العصير يمنع الإصابة بأمراض القلب أو السكري على المدى الطويل.
وفي ما يخص الالتهاب تحديدًا، أجرت مجموعة من الباحثين مراجعة منهجيّة وتحليلًا تلويًّا لتأثير عصير البرتقال 100% في مؤشرات الالتهاب والإجهاد التأكسدي لدى البالغين الأصحّاء والأشخاص المعرّضين لخطر الإصابة بأمراض مزمنة، وشملت المراجعة 21 دراسة تدخليّة وبلغ مجموع المشاركين فيها 634 شخصًا، بينهم 307 بالغين أصحّاء و327 شخصًا من الفئات المعرّضة للخطر، وعند تجميع نتائج 10 دراسات قاست مؤشرات الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وجد الباحثون انخفاضًا ملحوظًا في «إنترلوكين-6» IL-6، أحد المؤشرات المرتبطة بالالتهاب، بمتوسط بلغ 1.51 بيكوغرام لكل ملليلتر.
وفي المقابل، لم يصل الانخفاض في hs-CRP، وهو مؤشر آخر للالتهاب، إلى مستوى الدلالة الإحصائيّة، كما لم يظهر تغيّر مهم في مؤشر MDA المرتبط بالإجهاد التأكسدي، والأهم أن الباحثين صنّفوا قوة الأدلة بأنها منخفضة جدًّا، مع وجود مخاطر تحيّز وانخفاض عدد المشاركين في الدراسات.
وهذا التفصيل مهم، لأن القول إن «عصير البرتقال يحارب الالتهاب» يتجاوز ما أثبتته الدراسات، والصياغة العلميّة الأدق هي أن تحليلًا تلويًّا وجد انخفاضًا في أحد مؤشرات الالتهاب، بينما بقيت مؤشرات أخرى دون تغيّر ذي دلالة، كما أن قوة الدليل الإجمالي كانت محدودة.
أما القلب وضغط الدم، فوجدت مراجعة منهجيّة وتحليل تلوي نُشرا عام 2022، وشملا ثماني تجارب عشوائيّة لدى بالغين يعانون زيادة الوزن أو السمنة، أن استهلاك عصير البرتقال بانتظام ارتبط بانخفاض بسيط في ضغط الدم الانقباضي بلغ في المتوسط 0.98 ملليمتر زئبق، إلى جانب تحسّن في كوليسترول HDL، ولم تظهر في المقابل تغيّرات ذات دلالة في الكوليسترول الكلي أو LDL أو الدهون الثلاثيّة أو الغلوكوز أو الإنسولين أو مؤشر مقاومة الإنسولين أو CRP.
ويعني ذلك أن التأثير المحتمل في ضغط الدم، وفق هذه الدراسة، كان محدودًا للغاية، ولا يمكن اعتباره بديلًا عن علاج ارتفاع ضغط الدم أو عن الإجراءات المعروفة للسيطرة عليه.
كما أن الحديث عن «الهسبيريدين» يحتاج إلى قدر من الحذر، فقد تناولت مراجعة منهجيّة منشورة عام 2021 تأثير الهسبيريدين الموجود في عصير البرتقال 100% في مؤشرات مرتبطة بالأمراض المزمنة، وشملت 20 دراسة، ووجد الباحثون أن التأثيرات الإجماليّة كانت ضعيفة، وأن اختلاف الجرعات وتكرار الاستهلاك والنظام الغذائي والعوامل الوراثيّة وطرق القياس جعل تحديد الدور الدقيق للهسبيريدين في الوقاية من الأمراض المزمنة أمرًا غير محسوم.
وتوجد أيضًا مراجعات تناولت الهسبيريدين بصورة منفصلة عن عصير البرتقال، ففي تحليل تلوي لـ10 تجارب عشوائيّة شملت 577 مشاركًا، لم يجد الباحثون تأثيرًا واضحًا لمكمّلات الهسبيريدين في الكوليسترول الكلي أو LDL أو HDL أو الدهون الثلاثيّة أو ضغط الدم، وهذه النتيجة تذكّر بأن وجود مركّب غذائي واعد داخل البرتقال لا يعني تلقائيًّا أن تناوله منفردًا أو بكميات معيّنة سيؤدي إلى تأثير علاجي.
أما الوزن، فهنا تظهر إحدى أهم النقاط التي يجب الانتباه إليها عند تحويل عصير البرتقال إلى عادة يوميّة، فقد نشرت مجلة «JAMA Pediatrics» عام 2024 مراجعة منهجيّة وتحليلًا تلويًّا بحثا العلاقة بين استهلاك عصير الفاكهة 100% ووزن الجسم لدى الأطفال والبالغين، وأظهرت الدراسة ارتباطًا بين تناول حصة إضافيّة يوميّة بحجم 8 أونصات من عصير الفاكهة 100% وزيادة صغيرة في مؤشر كتلة الجسم لدى الأطفال، وكان الارتباط أقوى لدى الأطفال الأصغر سنًّا.
وأشارت الدراسة إلى أن كل حصة إضافيّة يوميّة بحجم 8 أونصات ارتبطت بزيادة تبلغ 0.03 في مؤشر كتلة الجسم لدى الأطفال، مع وجود تباين كبير بين الدراسات، كما خلص الباحثون إلى أن تقليل كميات عصير الفاكهة لدى الأطفال وتفضيل الفاكهة الكاملة يتوافقان مع التوجهات الصحيّة الرامية إلى الحد من زيادة الوزن والسمنة.
أما لدى البالغين، فلم تكن الصورة بالوضوح نفسه، فلم يجد التحليل العام للدراسات المستقبليّة ارتباطًا ذا دلالة بين استهلاك عصير الفاكهة 100% وزيادة الوزن، بينما ظهرت نتائج مختلفة بحسب ما إذا كانت الدراسات قد أخذت إجمالي استهلاك الطاقة في الاعتبار، كما لم تثبت التجارب العشوائيّة وجود تأثير واضح في وزن البالغين.
وتدعم هذه النتيجة مراجعة أخرى تناولت عصير البرتقال والهسبيريدين بصورة مباشرة، فقد جمعت 11 تجربة عشوائيّة شملت 512 بالغًا، ولم تجد تأثيرًا ذا دلالة في وزن الجسم أو مؤشر كتلة الجسم أو كتلة الدهون أو نسبة الدهون أو محيط الخصر، ما يعني أن الأدلة التجريبيّة لا تدعم وصف عصير البرتقال بأنه وسيلة لإنقاص الوزن، لكنها في الوقت نفسه لا تثبت أن شربه بكميات معتدلة يؤدي حتمًا إلى زيادة الوزن لدى البالغين.
والفارق بين العصير والفاكهة الكاملة يبقى نقطة أساسيّة في هذه المسألة، فعند تناول البرتقالة كاملة، يحصل الشخص على الألياف الموجودة في الثمرة ويحتاج إلى وقت أطول لتناولها، بينما يمكن شرب كمية أكبر من البرتقال خلال دقائق عند تناوله على شكل عصير، ما يجعل التحكم في كمية السعرات أكثر صعوبة لدى بعض الأشخاص، خصوصًا إذا أضيف العصير إلى النظام الغذائي بدلًا من أن يحل محل مشروب آخر أو جزء من الحصة الغذائيّة.
ولهذا السبب، يظل تناول البرتقالة الكاملة خيارًا غذائيًّا مهمًّا عندما يكون الهدف الحصول على الفاكهة مع الألياف، بينما يمكن إدخال عصير البرتقال 100% ضمن نظام غذائي متوازن بكميات معتدلة، كما ينبغي التمييز بين عصير البرتقال 100% والمشروبات التجاريّة التي تحمل تسميات مثل «مشروب البرتقال» أو «مشروب الفاكهة»، لأن هذه المنتجات يمكن أن تحتوي على سكريات مضافة ومكوّنات أخرى.
وبالنسبة إلى الأشخاص المصابين بالسكري أو الذين يعانون اضطرابات في سكر الدم، فإن وجود نتائج بحثيّة تشير إلى تحسّن بعض المؤشرات الاستقلابيّة لا يعني إمكانية شرب العصير بكميات مفتوحة، فالتحكم في إجمالي الكربوهيدرات والسعرات وحجم الحصة يبقى جزءًا أساسيًّا من النظام الغذائي، كما أن الاستجابة تختلف من شخص إلى آخر.
وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يحاولون إنقاص أوزانهم، فحتى إذا لم تثبت التجارب أن عصير البرتقال يؤدي حتمًا إلى زيادة الوزن لدى البالغين، فإن السعرات التي يوفرها تظل جزءًا من إجمالي الطاقة اليوميّة، ولذلك فإن حجم الحصة وطريقة إدخال العصير في النظام الغذائي يظلان عاملين مهمّين.
ومن هنا يمكن فهم الصورة التي ترسمها الأبحاث بصورة أكثر دقة، فعصير البرتقال 100% ليس مجرد ماء وسكر، كما أنه ليس دواءً طبيعيًّا، فهو يزوّد الجسم بفيتامين «سي» ومركّبات نباتيّة، وتشير مجموعة من التجارب السريريّة والمراجعات المنهجيّة إلى احتمال وجود تأثيرات مفيدة في بعض المؤشرات، خصوصًا الكوليسترول الكلي وLDL ومقاومة الإنسولين وبعض مؤشرات الالتهاب وضغط الدم.
لكن قوة هذه الأدلة تختلف من نتيجة إلى أخرى، وبعض الدراسات نفسها تشير إلى وجود تباين كبير بين المشاركين وطرق تناول العصير ومدد التجارب، فضلًا عن أن عددًا من المراجعات وصف قوة الدليل بأنها منخفضة أو منخفضة جدًّا، ولذلك لا يمكن تحويل هذه النتائج إلى توصية علاجيّة عامة.
أما بالنسبة إلى الوزن، فتشير الأدلة إلى ضرورة الانتباه خصوصًا عند الأطفال، إذ وجدت مراجعة «JAMA Pediatrics» ارتباطًا بين زيادة استهلاك عصير الفاكهة 100% وزيادة صغيرة في مؤشر كتلة الجسم لديهم، بينما بقيت النتائج لدى البالغين أقل وضوحًا.
وبالتالي، فإن شرب عصير البرتقال يوميًّا يمكن أن يكون جزءًا من نظام غذائي صحي إذا كان العصير 100% ومن دون سكريات مضافة، وكانت الكمية معتدلة، ولم يحل محل تناول الفاكهة الكاملة بصورة مستمرة، لكن تحويله إلى عادة بكميات كبيرة لا يمنح الجسم بالضرورة فوائد إضافيّة، ولا توجد أدلة علميّة كافية لوصفه علاجًا لأمراض القلب أو السكري أو الالتهابات.
والخلاصة التي تفرضها الدراسات هي أن البرتقالة الكاملة تظل خيارًا غذائيًّا مهمًّا بسبب محتواها من الألياف، بينما يمكن أن يكون عصير البرتقال 100% إضافةً معقولة إلى النظام الغذائي عند تناوله باعتدال، وهذه الصورة المتوازنة هي الأقرب إلى ما تسمح به الأدلة العلميّة المتاحة حاليًّا.





