طرابُلس بين براثن المصالح

إنّٓ أسوأ ما يعتري الإنسان هو شعوره برغبة جامحة في امتلاك شيء يُكسبهُ سمعةً لها وقعُها في القلوب وفي محيط حياته ولو حُقق ذلك على حساب مئاتٍ من الأرواح البريئة التي لم تُبصر نور المعيشة الكريمة منذُ سنواتٍ مُضببّة، وكلما كبُرت بذرة حُب السيطرة في عمق الفطرة الإنسانية كلما صعب التكهن بما قد يصدرُ من قاع الضعف النفسيّ الغير متوازن بتاتاً، وما أسوأ أن تدفع مدينة شامخة بأحيائها ومشعة بحيوية أفرادها هذا الثمن الباهظ ليس لشيء إلا لأنها احتضنتهم احتضان الأم لأبنائها بلا تفرقةٍ آو سوء.

عروس البحر باتت تتجرعُ كؤوساً مضعفة من الآلام تكتسب لوناً قاتماً يميل لقتامة برك الدماء التي خُضبت بها أزقتها منذُ أيامٍ لا يُعرف لها بداية وغامضة النهايات، قُرعت طبول الحرب على أنغام نبعت من عيون الحقد التي كبلّت عقول من يدعونٓ في حقها حباً لا ينضب ويبرورنَ حماقاتهم بقلقٍ زائف حيالها وهي في الحقيقة مجرد ذريعة تتخفى خلفها جرائمهُم، اشتعلت نيران مصالحهم لتلتهم كل ذرة حياة بريئة كانت تسعى لرزقٍ يسقي الضمأ ويشبع الحاجة ولتحوّل رحلة الرزق هذه إلى رحيلٍ أبديّ عن هذه الحياة بلا ذنبٍ يٌثقل كاهل صاحبها، فمن المُتسبب؟ تجدُ عائلة منكسرة الروح ومسلوبة الأمل لفقدان رب أسرة أو أخ أو شابة أو أم كان لكل واحدٍ منهم طموحات مزّهرة بعبق العطاء ولأن الحياة مليئةٌ بلحظات خارج صندوق التوقعات، من سيُصدق أن مثل تلك الطموحات تبعثرت إلى أشلاء بسبب رصاصةٍ فجرت القلب ودمرت الجسد وفتتت الروح بلا رجعة؟ من الذي سيُعرض للمحاسبة بسبب دناءة هذه الجرائم الرعناء في ظل غياب هيكل الدولة الصلب وهيمنة عدالة هشة، من الذي سيُلملم جراح الفاقدين ويجفف نهر الدموع المنهمرة؟

كم هو ساحرٌ حب السلطة. إنّ توغله في قلب الإنسان يغيرُ مسار فطرته السليمة وتبعث فيه تلك الروح التي تجعله وحشاً لا طاقة لأحد للوقوف في وجهه واعتراض طريقه، ليس خوفاً وإنما تحفظاً نظراً لكونه مدججاً بأسلحة لا تعرف سوى لغة سفك الدماء. كل هذه الحقائق تؤكد أنّ من يدعون حب طرابلس اليوم ليسوا سوى سجناء المال وتطلعهم لأن يحظى الواحد منهم بحياةٍ فاحشة الثراء وكيفما كانت الوسيلة، لو كان حبهم طاهراً لكانت عروس البحر تتزينُ بملبس الاستقرار وجمال الحضارة المفقودة، ولكانت تٌقارع عواصم هذا العالم الشاسع لتعانق تاريخاً جديداً من الحرية الحقة، من الواضح أن العاصمة باتت هدفاً داخلياً مدعماً بأطماع خارجية لمنع خيراتها السخية وحصرها بين هواة التملُك لينالوا منها حتى الثمالة، لكلٍ وسيلته والنهاية واحدة وهي رؤية قلب ليبيا النابض يسقط بين مخالبهم غير آبهين لصرخاتٍ من ترعرعوا بين ذراعيّها وتنسمّوا عشقها الساكن بين ثنايا قلوبهم .

ليعلمَ ولاة الحرب والقائمين على تحريك أطرافها المتناحرة أن هذا الكيان عصيٌ على نهم مصالحهم العمياء وأن ما يتلذذون به اليوم سيكون وبالاً على كل رصاصة أو قذيفة وضعت حداً لحياة كل روح سُلبت ما منحه الله لها على أيديكم المنغمسة في وحل لا قاع له. ما تتباهون به اليوم من عتاد لن يجعل منكم رجالاً ولكنه سيُقلل من قدركم لانهزاميتكم أمام فجوة الطمع المتنامية. إنّ الحياة مسرح يخلد كل من جعل حبه لوطنه واحة يرتوي منها الشرفاء وداس على دعاة الكراهية وكأنهم لم يكونوا يوماً جزءاً من الحاضر ولا المستقبل القريب.

الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
محمد علي المبروك

مقال رائع له تعابير وصفية عميقة يشخص بإتقان احداث مدينة طرابلس ، نأمل المزيد من مثل هذه المقالات فليبيا بحاجة لافكار كتابها ومثقفيها

دنيا عثمان

من أجمل ماقرأت مقال رائع يجسد الواقع الذي عاشته طرابلس في الآونة الأخيرة. أطيب الأمنيات للكاتبة 💕💕

وفاء الطويل

موفقة أخت هناء، أبدعتي في وصف حال مدينة طرابلس، أسلوبك الأدبي مميز جدا، أرجوا الاستمرار في نشر المزيد…